فصل: تفسير الآية رقم (268):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل



.تفسير الآية رقم (266):

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)}
الهمزة في {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} للإنكار. وقرئ: له جنات، وذرية ضعاف. والإعصار: الريح التي تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء كالعمود. وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله. فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عنها الصحابة فقالوا: الله أعلم، فغضب وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك. قال: ضربت مثلاً لعمل. قال: لأي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل الحسنات. ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها.
وعن الحسن رضي الله عنه: هذا مثلٌ قلّ والله يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
فإن قلت: كيف قال {جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ثم قال: {لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات} قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات. ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ} [الكهف: 34] بعد قوله: {جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} [الكهف: 32] فإن قلت: علام عطف قوله: {وَأَصَابَهُ الكبر}؟ قلت: الواو للحال لا للعطف. ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر. وقيل: يقال: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر.

.تفسير الآية رقم (267):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)}
{مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ} من جياد مكسوباتكم {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم} من الحب والثمر والمعادن وغيرها.
فإن قلت: فهلا قيل: وما أخرجنا لكم، عطفاً على {مَّا كَسَبْتُم} حتى يشتمل الطيب على المكسوب والمخرج من الأرض؟ قلت معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} ولا تقصدوا المال الرديء {مِنْهُ تُنفِقُونَ} تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال.
وقرأ عبد الله: {ولا تأمموا}، وقرأ ابن عباس: {ولا تيمموا}، بضم التاء. ويممه وتيممه وتأممه، سواء في معنى قصده {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ} وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم {إلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه، إذا غضّ بصره. ويقال للبائع: أغمض، أي لا تستقص، كأنك لا تبصر. وقال الطِّرِمَّاح:
لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ ** وَلِلضَّيْمِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بالإِغمَاضِ

وقرأ الزهريّ: {تغمضوا}. وأغمض وغمض بمعنى. وعنه: {تغمِضُوا}، بضم الميم وكسرها. من غمض يغمض ويغمض.
وقرأ قتادة: {تُغِمَضُوا}، على البناء للمفعول، بمعنى إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه. وقيل: إلا أن توجدوا مغمضين.
وعن الحسن رضي الله عنه: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه.

.تفسير الآية رقم (268):

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)}
أي يعدكم في الإنفاق {الفقر} ويقول لكم أنّ عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا. وقريء: {الفقر}، بالضم. {والفقر} بفتحتين والوعد يستعمل في الخير والشر. قال الله تعالى: {النار وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} [الحج: 72] {وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء} ويغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب: البخيل {والله يَعِدُكُم} في الإنفاق {مَغْفِرَةٍ} لذنوبكم وكفارة لها {وَفَضْلاً} وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، أو ثواباً عليه في الآخرة.

.تفسير الآية رقم (269):

{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)}
{يُؤْتِى الْحِكْمَةَ} يوفق للعلم والعمل به. والحكيم عند الله: هو العالم العامل وقرئ: {ومن يؤت الحكمة} بمعنى ومن يؤته الله الحكمة. وهكذا قرأ الأعمش. و{خَيْراً كَثِيراً} تنكير تعظيم، كأنه قال: فقد أوتي أيّ خير كثير {وما يذكر إلا أولو الألباب}. يريد الحكماء العلام العمال. والمراد به الحثّ على العمل بما تضمنت الآي في معنى الإنفاق.

.تفسير الآية رقم (270):

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)}
{وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ} في سبيل الله، أو في سبيل الشيطان {أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ} في طاعة الله، أو في معصيته {فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه {وَمَا للظالمين} الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي {مِنْ أَنصَارٍ} ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

.تفسير الآية رقم (271):

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)}
(ما) في {نِعِمَّا} نكرة غير موصولة ولا موصوفة. ومعنى {فَنِعِمَّا هِىَ} فنعم شيئاً إبداؤها. وقريء بكسر النون وفتحها {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء} وتصيبوا بها مصارفها مع الإخفاء {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فالإخفاء خير لكم. والمراد الصدقات المتطوّع بها، فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «صدقات السر في التطوّع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً» وإنما كانت المجاهرة بالفرائض أفضل، لنفي التهمة، حتى إذا كان المزكي ممن لا يعرف باليسار كان إخفاؤه أفضل، والمتطوّع إن أراد أن يقتدى به كان إظهاره أفضل {نُكَفِّر} وقرئ بالنون مرفوعاً عطفاً على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي ونحن نُكَفِّر. أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة، ومجزوماً عطفاً على محل الفاء وما بعده، لأنه جواب الشرط. وقرئ: {ويكفّر}، بالياء مرفوعاً، والفعل لله أو للاخفاء. وتكفر بالتاء، مرفوعاً ومجزوماً، والفعل للصدقات.
وقرأ الحسن رضي الله عنه بالياء والنصب بإضمار أن ومعناه: إن تخفوها يكن خيراً لكم، وأن يكفر عنكم.

.تفسير الآية رقم (272):

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)}
{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المنّ والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} يلطف بمن يعلم أنّ اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} من مال {فَلاِنفُسِكُمْ} فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وَمَا تُنفِقُونَ} وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجه الله ولطلب ما عنده، فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابه أضعافاً مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه، وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما فأتتها أمها تسألها وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت، وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه: كانوا يتقون أن يرضخوا لقراباتهم من المشركين.
وروي: أنّ ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوهم.
وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله، لكان لك ثواب نفقتك. واختلف في الواجب، فجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، وأباه غيره.

.تفسير الآية رقم (273):

{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)}
الجار متعلق بمحذوف. والمعنى: اعمدوا للفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء، كقوله تعالى: {في تسع آيات} [النمل: 12] ويجوزأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي صدقاتكم للفقراء. و{الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} هم الذين أحصرهم الجهاد {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم به {ضَرْبًا فِي الارض} للكسب.
وقيل هم أصحاب الصفة، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار. وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: «أَبْشِرُوا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أَمْتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة» {يَحْسَبُهُمُ الجاهل} بحالهم {أَغْنِيَاءَ مِنَ التعفف} مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة {تَعْرِفُهُم بسيماهم} من صفرة الوجه ورثاثة الحال. والإلحاف: الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه. من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي أعطاني من فضل ما عنده.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى يحبّ الحَيّيِ الحليم المتعفف، ويبغض البذيّ السئال الملحف» ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف جميعاً كقوله:
عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ

يريد نفي المنار والاهتداء به.

.تفسير الآية رقم (274):

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)}
{الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال. وقيل: نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين تصدّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السرّ، وعشرة في العلانية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في عليّ رضي الله عنه: لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية. وقيل: نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية.

.تفسير الآيات (275- 281):

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)}
{الرباا} كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع {لاَ يَقُومُونَ} إذا بعثوا من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} أي المصروع. وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع. والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس: الجنون. ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل: معناه ضربته الجنّ ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.
فإن قلت: بم يتعلق قوله: {مِنَ المس}؟ قلت: ب (لا يقومون)، أي لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. ويجوز أن يتعلق بيقوم، أي كما يقوم المصروع من جنونه. والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.
وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض {ذَلِكَ} العقاب بسبب قولهم {إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا}.
فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين؟ قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع. وقوله: {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا} إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة عل أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ} فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} فتبع النهي وامتنع {فَلَهُ مَا سَلَفَ} فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم {وَأَمْرُهُ إِلَى الله} يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به {وَمَنْ عَادَ} إلى الربا {فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق. وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ.
وقرأ أبيٌّ والحسن: {فمن جاءته}. {يَمْحَقُ الله الرباا} يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ. {وَيُرْبِى الصدقات} ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه. وفي الحديث: «ما نقَّصَتْ زكاةٌ من مال قط» {كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.
أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.
وقرأ الحسن رضي الله عنه: {ما بقى}، بقلب الياء ألفاً على لغة طيئ: وعنه {ما بقيْ} بياء ساكنة. ومنه قول جرير:
هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُو ** مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ

{إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} إن صح إيمانكم، يعني أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ} فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به. وقرئ: {فآذنوا}، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم.
وقرأ الحسن: {فأيقنوا}، وهو دليل لقراءة العامّة.
فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله.
وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب الله ورسوله. {وَإِن تُبتُمْ} من الارتباء {فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ} المديونين بطلب الزيادة عليها {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بالنقصان منها.
فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: (لا تظلمون ولا تظلمون) {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرا عثمان رضي الله عنه. {ذا عسرة} على وإن كان الغريم ذا عسرة. وقرئ: (ومن كان ذا عسرة) {فَنَظِرَةٌ} أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار. وقرئ: {فنظْرة} بسكون الظاء.
وقرأ عطاء: {فناظره}. بمعنى فصاحب الحق ناظره: أي منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل. وعنه: فناظرْه، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها {إلى مَيْسَرَةٍ} إلى يسار وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة. وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله:
وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا

وقوله تعالى: {وإقام الصلاة} [النور: 37]. {وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} [البقرة: 237]. وقيل: أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. وقرئ {تصدّقوا} بتخفيف الصاد على حذف التاء {تُرْجَعُونَ} قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: {يرجعون} بالياء على طريقة الالتفات.
وقرأ عبد الله: {تردّون}: وقرأ أبيّ: {تصيرون}.
وعن ابن عباس: أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة. وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً. وقيل: أحداً وثمانين. وقيل: سبعة أيام. وقيل: ثلاث ساعات.